New Page 1
 
العدد السابق: الافتتاحية : حزيران 09
 

حديث الجيم

جمانة حداد

 

من الجسد بالجسد مع الجسد
منذ الجسد والى الجسد

أنطونان أرتو

أكره أن أبدو حزبية. وخصوصاً إذا كان الحزب المعنيّ هو "حزب نسوان". لكن ثمة أشياء تحتاج الى أن تقال، حتى لو كان ثمن قولها اكتساب وصمة "المناضِلة" التي تكهربني. ثمة أشياء تحتاج الى أن تقال، نعم، أولها يتعلق بتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير حول الهوّة بين الجنسين gender gap report. تقريرٌ نالت فيه البلدان الاسكندينافية، على عادتها، المراكز الأولى على صعيد نِسَب المساواة بين الرجل والمرأة: السويد، النروج، إيسلندا، فنلندا، الدانمارك، ...الخ، هي دول سبّاقة في تمتع نسائها بموقعٍ ندّي شبه كامل مع الرجال في المجالات كافة: التحصيل العلمي، الوظيفة، الأجور، المشاركة السياسية، الحرية الشخصية، الى ما هناك من عناصر تحدّد كيان الانسان اجتماعياً ومدنياً وجنسياً وثقافياً وسياسياً. وهلمّ.

شرعتُ أمس في قراءة التقرير المذكور، وسرعان ما دفعني فضولي (وواقعيتي) الى تخطّي المراكز الأولى (التي لم تحمل أيّ مفاجأة، فجميعنا يعرف الحجم "المهول" لتقدّم الاسكندينافيين على الشعوب الأخرى في مجال احترام حقوق الإنسان عموماً، والمرأة خصوصاً)، والى النزول في اللائحة الى تحت، الى تحت، بحثاً عن موقع لبنان في الترتيب الذي يقوّم أحوال 130 بلداً مختلفاً في العالم.

وإذ كنت أمعن هبوطاً الى أسفل تلك الصفحة الانترنتنية، رحت أتساءل، بثقة لبنانوية ساذجة لا ترحم بشرّها أشدّ الناس تشكيكاً وسينيكية: أترانا في الموقع 90 مثلاً؟ أم 101؟ لا بدّ أننا "نتفوّق" بالتأكيد، على عدد لا بأس به من البلدان الأفريقية في هذا المجال، وعلى الكثير من البلدان العربية أيضاً. ولو؟! المعنيّ هو لبنان، المشهودة له "استثنائيته" في المنطقة، وهوامش حريته ومساواته المعقولة؛ لبنان، حيث يمكن المرأة أن تقود سيارتها بلا أي عراقيل، وأن ترتدي (وتخلع) ما تشاء، وأن ترقص على طاولات النايت كلوب حتى أولى ساعات الفجر، ووو...

ولكن!

سرعان ما عاجلتني لبنانويتي الساذجة بصفعة محكمة (أستحقّها). تصوّروا: لبنان، أيها السيدات والسادة، ليس مدرجاً على اللائحة. وبعد: على صعيد الشرق الأوسط، تحتلّ إسرائيل المركز الأول في احترام حقوق النساء. أما المركز الثاني فمن نصيب الكويت. والثالث لتونس. والرابع للأردن. والخامس للإمارات العربية المتحدة...

وأيضاً: الفيليبين في المرتبة السادسة عالمياً. سري لانكا في المرتبة الثانية عشرة. هل قلتم لبنان؟ Forget. لا مساواة هنا، ولا من يحزنون. بلدنا "العاجق الكون"، لم يستحق الذكر حتى في الدراسة.

لماذا؟ ربما، أقول ربما، يكون أحد الأسباب أن أولئك الذين يقوّمون مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، لا يعيرون كثير أهمية لحرية الرقص على الطاولات (على دلالاتها وجماليتها)، بل يؤثرون التركيز كأولوية، مثلاً، على مستوى المشاركة السياسية للمرأة ومساهمتها في صنع القرار.

وربما، أقول ربما، يكون ثمة سببٌ ثانٍ، مفاده أن أولئك الذين يقوّمون مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، لا يهتمون لمسألة الملابس والماكياج وصرعات الموضة (على ضرورتها أيضاً)، ولا لشعارات من عيار "كوني جميلة واعطينا ما يدهش العالم"، بل يفضّلون إصدار أحكامهم بناءً على عدد النساء اللواتي يتابعن دراساتهنّ بعيداً من ضغوط الزواج، واللواتي يعملن في المهن التي يردن العمل فيها بلا أيّ تمييز، واللواتي يقبضن معاشات توازي معاشات الرجال. وأكثر.

وربما، أقول ربما، يكون أولئك الموكلة اليهم مهمة رصد عامل المساواة هذا، من الذين يقدّرون احترام حقّ المرأة في عيش حياتها الخاصة، وهواجس جسدها وجنسانيتها كما تشاء (إقرأوا مثلاً كتاب "بريد مستعجل" الصادر حديثاً عن جمعية "ميم"، والمسوا معاناة المثليات اللبنانيات مع التمييز العائلي والاجتماعي والجنسي واللغوي). وربما يبحث هؤلاء أيضاً عن مجتمع أقل بطريركية لا يعتبر الرجل "النسونجي" بطلاً، في حين ينظر الى المرأة الشبقة على أنها ساقطة ومريضة (الإسم التقني: "نيمفومان"). هل أتابع؟ لا. لأن المتابعة بلا جدوى. هي "هوّة" بلا قاع يا أصدقائي وصديقاتي.

 

 

أكره أن أبدو حزبية. أكره ذلك حقاً. لكن ثمة أشياء تحتاج الى أن تقال. ولا يستطيع (تستطيع) قولها سوى من "يده في النار". أشياء على غرار هذه، على سبيل المثال لا الحصر، من بعد إذنكم:

أتطلع الى اليوم الذي يصير فيه عدد الكعوب العالية في مجلس النواب اللبناني يوازي عدد ربطات العنق.

أتطلع الى اليوم الذي يشهد ولادة مرادف انثوي "مشرّف" لصفة "دون جوان" الذكورية "التمجيدية".

أتطلع الى اليوم الذي يصير فيه متاحاً لمؤلِّفات كتاب "بريد مستعجل" تذييل شهاداتهنّ بأسمائهنّ من دون خوف أو قلق أو خجل لا واعٍ.

وأتطلع، خصوصاً، الى اليوم الذي تعي فيه المرأة اللبنانية (بلا تعميم) أن قوتها لا تعني استرجالها؛ وأن تحررها أبعد وأهمّ وأكثر خطورة من إمكان تمضية سهرة غير شكل في السكاي بار (أكرر: على ضرورة ذلك)؛ وأن ما هي حاصلة عليه من حقوق سطحية، إن هي سوى محض ألعاب تخديرية مهينة تهدف الى إلهائها: لا عن المطالبة بحريتها الحقيقية (كفانا مطالبة متسوّلة، بربكنّ)، بل عن إدراك حقّها المطلق في تلك الحرية كإحدى مسلّمات الحياة البشرية، وتحمّلها مسؤوليتها، وعيشها منذ النفس الأول.

... وحتى آخر الجسد.

Joumana@jasadmag.com

 
   
 

 

 



جميع الحقوق محفوظة لمجلة "جسـد" ? 2008